×

الحلم والرؤيا – قراءة في ديوان “رؤىً وأحلام”* للشاعرة اللبنانية زينب الحسيني/ بقلم الناقد منذر غزالي

الحلم والرؤيا – قراءة في ديوان “رؤىً وأحلام”* للشاعرة اللبنانية زينب الحسيني/ بقلم الناقد منذر غزالي

الحلم والرؤيا – قراءة في ديوان “رؤىً وأحلام“* للشاعرة اللبنانية زينب الحسيني

بقلم الناقد منذر فالح الغزالي

عتبة الكتاب – بوابة الشعر

إذا كان الحلم هو التعويض اللاواعي لإشباع الدوافع المكبوتة، فإن الرؤيا هي عملية واعية، تنبثق في لحظة إشراق روحي، أو تتوّج تجربة حياتية غنية.

الحلم، إذن، هو ما فقدناه في حياتنا الواعية، بينما الرؤيا هي ما نستشرف قدومه بوعي وإرادة. الحلم هو صورة ماضٍ لم نعشه، نستحضره في لحظة غياب الرقيب الواعي، والرؤيا هي قادمٌ نأمله تبدو ملامحه في الحاضر.

وبقدر ما تضيق مساحة حياتنا، تتسع مساحة حلمنا، في انفلاته اللامنطقي؛ وبقدر اتساع مساحة حياتنا وعمقها، يزداد مدى رؤيتنا، بتأمّلنا الهادئ الرصين.

بين ماضٍ لم يتحقق، ومستقبل ننتظر قدومه، يمضي نهر الحاضر، نهر حياتنا.

والشعر هو أحد الممكنات الجمالية في تصوير الحياة، فالحلم والرؤيا هما عماد الشعر، دونهما لا يبقى شعر ولا يكون قصيد. وقيمة الشعر تسمو أو توضُع بمقدار ما يحمل من رؤى، وشأن الشاعر يعلو أو يهبط بقدر ما يملك من رؤيا.

والشعر يعذب أو يؤُجُّ ( ماء أجاج) بقدر ما تحمله لغته ومعانيه وتراكيبه من أخيلة وصور تشبه تلك العوالم الحلمية التي تبقى في ذاكرتنا بعد أن يتلاشى الحلم ويضيع أثره في ذاكرتنا المزدحمة.

” رؤىً وأحلام “، عنوان الديوان الأول للشاعرة اللبنانية زينب الحسيني، هما عماد الشعر، هما بوابة الشعر.

بنية القصيدة

ذكر الدكتور علوي الهاشمي** في كتابه (فلسفة الإيقاع في الشعر العربي) أن كل نص شعري يتركب من ثلاث بنى أساسية :

● بنية المضمون

● بنية اللغة

● بنية الإيقاع

إذا كانت بنية اللغة وبنية الإيقاع هما بنيتان محسوستان، تشكلان المكوِّن الجمالي للنص الشعري، صوراً وإيقاعاً، فإن بنية المضمون هي الحامل العميق المستتر خلف الألفاظ، المعبّرُ عن روح الشاعر وفكره وعاطفته وثقافته؛ لذلك “ينقسم المضمون إلى مجالين: المجال الفكري الثقافي”***، وفيه يتّضح لدى المتلقي على ماذا يبني الشاعر رؤيته الشعرية، “والمجالُ النفسي العاطفي”****، وهو الوجه اللحظيّ الانفعاليّ الذي يعبّر عن الحالة المزاجية التي تنتاب الشاعر لحظة كتابة القصيدة، فهي تمتاز بحرارتها وصدقها وخصوصيتها؛ ويجب أن نلاحظ هنا أن هذه البنى الثلاث تندمج معاً لتشكّل النص الشعري، وبمقدار ما يكون هذا الاندماج مؤتلفاً يكون النص الشعري أكثر جمالاً وصدقاً وديمومة، فالمضمون يعبَّر عنه باللغة، واللغة تعطي جرْسها وإيقاعها من دفقها العاطفي، دفق الذات الشاعرة في عاطفتها ورؤيتها. المضمون هو روح القصيدة، أما اللغة والإيقاع فهما جسدها، وهما اللذان يتركان الأثر الانفعالي المباشر لدى المتلقي.

بنية اللغة ومستوياتها في الديوان

للغة في نص زينب الحسيني مستوياتها، بين الحلم، بهذيانه وذراه المطلقة وانفلاته اللامنطقي وصوره الصارخة، وبين الرؤيا، بلغتها الهادئة، لغة الروح المتأملة المتجلية لحظة إشراقها.

الفرح، في الحلم، يكون فرحاً مطلقاً، والحزن مطلقاً، والخوف واللذة… كل المشاعر التي نعيشها في الحلم نعيشها دون حدود أو قيود، إنه الوصول إلى الذروة في إشباع كل تجربةٍ عاطفية ناقصة، أو دافع رغبةٍ مكبوتة. هي عاطفة مركّزة أشدّ التركيز، تشبع، في ثوانٍ معدودة،  ما تراكم داخلنا خلال زمن طويل.

أما الرؤيا فهي نظرة شاملة هادئة ورصينة، منسابة متهادية، هي لغة الروح لحظة تجليها، لغة الحكمة العميقة، أو هي شرارة تنبثق في لحظة إشراق نورانية، كأنها إشراق الصوفي في مقام تجليه، تأتي من أعماق الشاعر كأنها هبطت عليه من الأعلى.

والرؤيا قد تكون “كشفاً مُنح القدرة عليه شاعر أو نبي أو قديس”*****

هي نوع من التجربة الفلسفية أو الصوفية.

“تحاول ترميم الهشيم 
وتدخل العتمة تلو العتمة
تتلمَّظ فوق جبال الموت 
لتمنح الحياة لأساطير 
تبعث الدفء في الموتى 
عبثًا تحاول أنهارك 
أن تبحث عن مصب
تتخيل كم من قرابين ستدفع 
لسلام عقوق لا يؤوب 
تردِّد وتردِّد وسيزيف يعيد 
كم من سقطة سنسقط 
كي تكتمل الولادة “(من قصيدة “قلم واجف “)

وموضوعات العاطفة في الديوان هي الحب والحزن والوصال والفراق، وموضوعات الرؤيا هي موضوعات الموت والحب وقلق الانتظار والمعاناة وهاجس المستقبل… ومعظم قصائد الديوان تراوحت بين العاطفة الذاتية، عاطفة الأنثى العاشقة بكل تجلياته من فرح الوصال، وتعب الانتظار وجرح الفراق، أو الخديعة.

“وحدي أجالس الانتظار 
ويجري في العروق اليباس 
أانت خيط من سراب 
أم مستحيل يولد من مستحيل؟
غرقا في بحرك أبحث عنك 
وأحبك بيدي جدائل الوهم 
وفي القلب رعشة 
ولا شطآن أمان 
من أفرغ العالم الفتان 
من فراشات الأمل؟
ولم الضوء واه 
والأرض ظلال؟
حبيسة في شمس الغروب 
وأوراقي ضيعت عنواني 
وسحاب العمر يذوب 
لا زمان يعود 
ولا المكان مكاني  (من قصيدة  “غروب “)

 وبين الحب الإنساني العام، حب الأم، حب الوطن. ولا تنفصل العاطفة في قصيدة زينب الحسيني عن العاطفة العامة الشاملة بمعناها الإنساني الشامل؛ في القصيدة الواحدة نجد معاناة المرأة العاشقة تتحول إلى معاناة إنسانة مواطنة، وجرح الحبيب يتحول إلى جرح وطن، فتضيع الحدود بين الخاص والعام في قصيدتها، وكل ذلك يمضي دون أي شرخٍ في بنية القصيدة، دون تكلف أو زيف.

“وطني ياشراعا مدمَّى

فوق الذرى

عشقت الحبَّ فيك

وذرات الثرى

ومن غيرك يسلبني الآهات؟؟

أراك تتوالد من حزني ومن أدمعي

وتغرق في بحار من دم ِ

ويبتلعك دخان الموت والحقد …

أنت السماويّ الذي

يرقص في البال

وتحملك الكلمات إلي

أمنية من ضباب

ترفرف بين الحضور

وبين الغياب

فهل تصدق أحلامي

وأمتطي  صهوة الرياح

ثورة لاتعرف ا لإنبطاح

وخطوةلاتعرف الرجوع

وأراك تبعث من جديد…” (قصيدة “أمنية”)

الديوان يكاد يكون بكائيةً لإنسان فقد معنى وجوده، حين أفقده تاريخُه ومجتمعه وكوارثه الإنسانية قيمته الإنسانية في الحب وفي الحياة؛ لذلك نجد صور الحب في الديوان صوراً مأساوية, لحظات الفرح فيها  هي لحظات حلم ضائع أو ملغىً، أو تعويضاً عن مشتهىً مفقود، وصور المجتمع صوراً قاسية تنوس بين التوجّع والإدانة، في انفعالٍ صادقٍ يعكس انقسام المجتمع إلى ضدّين متحاربين تكاد تتلاشى بينهما المنطقة الوسطى؛ ولهذا كان قاموسها الشعري مفعماً بلغة الرومنسيين في ملامستها للذات ومعاناتها، وفي استحضارها لعناصر الطبيعة في انعكاس لمشاعرها الذاتية، وقاموسها اللغوي ثريّاً، يمتد من عناصر الطبيعة إلى الرموز الأسطورية والثقافية ذات الإشارات الموحية.

“يؤرجحني حنين لذاك الهمس
كهزَّة صفصاف لمرأى غدير
ورعشة ريحٍ بأحضان النخيل 
رفوف من ذكرياتي 
تمتطي موكب الحبِّ الكسير
يوم تناءى وارتحل
ليتركني أراوغُ 
أوهام عشق ضرير

على أبواب ليل أنَّ فيه الزمهرير
قم يا أدون معي 
وانفض عن أهدابك 
ذرات الرماد
قم نواصل التجواال 
فنيروزُ عاد..
ولن يوقف الصقيعُ زحف الربيع
طوِّقني بياسمين الحب 
واشعل قناديلي 
انثرني همسا
فوق ذرى الريح 
واسم بلحني 
فوق تلال القمر 
فقد طال زمان احتضاري 
في مقبرة العدم”… )قصيدة “أشعل قناديلي”)

هو زفرة توجّع فيها صراخ يعلو أحياناً؛ لكنه هادئ حزين يغلفه اليأس والشكوى، تلك الثنائية التي اعتدنا عليها في شعر الرومنسيين العرب أوائل القرن المنصرم، والمفردات تكثر فيها حالة العدم (اللا جدوى، اللا معنى… )

ورغم هذا النواح الذي يسم قصائد الديوان فإن الشاعرة تبحث في ركام هذا العدم عن صورة نقية لربيع قادم، أو عن صورة البطل الذي تجعله رمزا للمخلص:

“سأكسر نعشي وأبدع لحنا من آهات القلب” ….  (من قصيدة ” أطير نسيماً”)

“هيا نحرّر أقدامنا من وحل المكان 
نحو فضاءات أوسع 
هيا نرفع المرساة
وكفى صراخا وأنين 
سأضيء الشموعَ لنهار يسطع 
ليأتي النور… ولو بعد حين.”…. (من قصيدة ” هيَّا نعبر” )

 وتقترب كثيراً من التأمل الفلسفي : “أنا أحيا إذن أنا لي وجود”.  “الحب ليس سفينة بلا مرسى ولا كلمة تقولها الشفتان”… وتكثر في تراكيبها التساؤلات الفلسفية الوجودية

“ويسألني النهر عني 
لم في الحب ندور 
ما بين بعث وموت”..  

“وهل نحن من يختار؟ 
لا النأي يجدي 
وفي القرب المحال 
وأرى في الرحيل نحوك ضوءا
كلما قاربته ابتعدا” …..( من قصيدة “أين الفرار”(

“نحن الآه 
والمعنى الذي تاه 
في اللامعنى 
سنقول للحياة 
كوني لتكون 
انا أحيا أذن 
أنا لي وجود …” …. (من قصيدة ” أنا وأنت”)

بنية الإيقاع

الإيقاع يلامس كل شيء في الوجود، هو شكل من أشكال تجسّد الوجود. للكون إيقاع، وللطبيعة إيقاع، وللنفس البشرية إيقاع، إن الإيقاع سابقٌ كل شيء.

هل نتخيل العدم إلا سكونا ممتداً لا ينقطع؟ وهل نتخيل لحظة الخلق، دون أن نسمع في أعماقنا دفقاً إيقاعياً كونياً ينبثق لحظة تشكل الوجود، كما يعلن المولود لحظة وجوده ببكائه؟

للفصول إيقاعاتها، للنهار إيقاعه ولليل إيقاعه، وللنفس إيقاعها، في انفعال نشوتها، أو سكون حزنها، في لحظة الشرود البطيئة تمتد في داخلنا بانسياب رتيب في حركة الدم والنبض والأعصاب، أو لحظة توتر يرتجف لها القلب ويتسارع منها النبض. وإحساسنا بالجمال، في كل مظاهره، هو تعبير إيقاعي في الجسد. الفتى العاشق  ترقص خلاياه، وهو يجول مغتبطاً، ممسكاً كفّ حبيبته في مرج ربيعي. وفي ليالي الشتاء الطويلة يمضي الليل رتيباً طويلاً على إيقاع حكايات جداتنا الهامس، تنتهي الحكاية والليل لا ينتهي… لكل شيء في الطبيعة إيقاع، لكل شعور في النفس إيقاع.

من يقنع فتاة عاشقة تملأ أوراق دفاتها بالقلوب الحمراء أن القلب عضلة لا تحب ولا تكره؟ كيف وهي تسمع داخلها كمنجات تشدو لصورة الحبيب، فيرتفع وجيب القلب، وتنبض العروق بالدم وتتفجر حمرة الخدود.

والشاعر لم يخلق الإيقاع، هو فقط عمل على تنظيم كلماته في حركات وسكنات، بنى منها نظماً يحاكي في النفس إيقاع الصحراء الممتدة حوله، أو رفيف أجفان “عيون المها” وهي تتمايل بترف الدعة  “بين الرصافة والجسر”، بعد أن عاش في مدن عامرة.

لنقرأ ، أو لنسمع هذا المقطع من قصيدة “حنين”  كيف يتجلى فبها الإيقاع واضحا دون حيلة الوزن أو القافية:

“ويمطرني الحنين رذاذا 
لأرجوحة في زورق الهوى
وكيف لي أن أرتق 
شقوق الروحِ 
وأقطع شرايين النوى 
وكم سرٍّ بكى في المنحنى 
وانثنى الورد تيها
فلوى الجيد وباح”(من قصيدة “حنين”(

إيقاع قصيدة النثر إيقاع داخلي أكثر صدقاً، وأكثر التصاقاً بذات الشاعر لحظة كتابة قصيدته؛ لأنه يرسمها كما ترددها مشاعره، بإيقاعها وصورها، دون قيد الوزن والقافية.

والشاعر حين يكتب قصيدته، تعبره الأخيلة والصور والمفردات والمعاني في إيقاعاتها المختلفة، فتتلون قصيدته بإيقاعات روحه الشاعرة، وهي تستحضر مشاعرها وذكرياتها، في رموز أسطورية: “أدوني عشتار، سيزيف…”،  أو دينية: ” أيوب، المسيح…”، أو ثقافية: “شهرزاد، جودو، عرقوب… ،”أوفي صور وتراكيب ذات دلالة إيحائية، بما تتركه من أثر  في ذاكرة المتلقي: “هجّ الحمام، كم أناديك وفي قلبي حنين، عشبة البحر، حرية حمراء، ألا أيها الليل الطويل ألا انجل….”

إضافة لهذا الإيقاع الداخلي الذي تنبض به معاني ودلالات وصور القصيدة، استخدمت الشاعرة تقنية التكرار في إعطاء الدلالة عمقا تريده من خلال تكرارها في إيقاع مكرر:

“وإذ بالصمت يلوذ بالصمت

وظلام يتلوه ظلام
فانكر ذاتي في ذاتي 
وأتوه في معارج لا تنتهي 
ومفارق صاعدة ومفارق تهوي

أُشاكس أنفاس حياة
مضرَّجة بالدم 
وغبار اللاجدوى يفترش المكان”…  (حنين(

“تسألني عنك أحلام
وتسأل الأيام عنك أيام”….  (من قصيدة “وعد”)

“لا أذكر عن ذاتي 
سوى شريط يصل الطفولةَ بالخيبات
وأذكر أني سئمت السَّأم” 

“تبعثر الدنيا تشتُّتنا 
وتطرحنا ركاما
يغطِّيه ركام” (وعد)

أو قلب المفردة لتعطي دلالة مغايرة تترك خلفها رجفة صحو، حين يشعر المتلقي بذلك الانقلاب المفاجئ بالدلالة:

ترسم أطيافا لأنام
حرموا صفو الأمان”

“وأعود من حيث بدأت
وينأى الأنا(والآتي)

ويأخذ الإيقاع مداه في تلك المفردات ذات الإيقاع الواحد والقافية الواحدة، كأنما، في سهوة الحلم، يتمدد الزمن متكررا، ثم بنقطع ذلك الاسترسال في اضطراب لحظة صحو لا تطول، لتعاود الشرود بإيقاع جديد رتيب، يتجلى حضور هذه التقنية في قصيدة “تعال”:

“سحاب يسبح في الفضاء 
واه، أين الضياء؟

كم ضعت في ظلمات 
أرسم دوائر وخيالات
وسقطت في قاع البحار

أبحث عن لؤلؤتي التي تاهت 
لأنسى نعيق البوم
تعالَ بطيف الغيوم  
اختبىء في أضلعي 
واشرب، دنان الشوق من أدمعي

وانبعث من شعلة الضنى 
صقراً شامخاً في الذرى

ته كما الحسّون في الفضا
يطرب الكون لحنا
ولا يعي...

هيَّا، نوقد الشموع
ومعا كالعطر نضوع
نحيي تموز وأفروديت 
ومع نجم الصباحِ نغني 
لحن السلام الموجَعِ”…. (تعال) 

وكذا في قصيدة “من أنت؟”

“أنت من أنت 
إذا جنَّ سؤالي 
وازدهى الحب بألوان المحال 
أأنت حلم عابر 
عبق الطَّلّة سحريُّ الظلال

أم أنت جواب
لسؤال بعد لم يخطر ببالي !  (من أنت) 

تطوّر التجربة الشعرية لدى الشاعرة زينب الحسيني

رغم أنّ محور الحلقة هو ديوان أحلام ورؤى، فلا يمكنني إنهاء الحديث دون المرور على التطوّر السريع الذي شهدته قصيدة زينب الحسيني في فترةٍ زمنية قصيرة، فالمتابع لما تنشره على المواقع المختلفة يلاحظ ذلك التطوّر، ولا أقول النضوج، فقصائد الديوان هي قصائد ناضجة؛ غير أنّ التجربة الشعرية مكّنت الشاعرة من الجرأة في التجريب وتطوير أسلوبها الشعري.

هذا التطوّر شمل البنية الشعرية بأكملها، في الصورة  واللغة الشعرية، والإيقاع، والتناغم الهارموني بين مجمل عناصر القصيدة، تبدو ملامح هذا التطوّر جليةً في قصائد ديوانها الثاني (وميض متاهات) وهو  وسأكتفي بمثال واحد هو قصيدتها أوتري، التي تمثل ذلك الهارموني في بناء القصيدة كلها،

أولاً: تعّدد البنى الأسلوبية: 

١. تنوّع مصادر الصورة 

للصورة في قصيدة زينب الحسيني مصادر متعددة، حسب الحالة الوجدانية التي تعبّر عنها، وحسب وظيفة التواصل، التي تبغيها الشاعرة من الصورة… 

فإذا كانت اللغة إشاراتٍ ورموزاً أوجدها الإنسان بغية التواصل، فإنّ الشاعر أوجد الصورة الشعرية، للتواصل الوجداني والوجودي بينه وبين مستمعٍ أو قارئٍ افتراضيٍّ ينقل له تجربته الروحية التي يعيشها، فيشاركه فيها. 

اعتمدت الشاعرة زينب الحسيني في قصيدتها (أوتدري؟) على ثلاثة مصادر لصورتها الشعرية، وجاءت متتاليةً في ثلاثة مواقع من القصيدة، تصف ثلاث حالاتٍ وجدانية عايشتها أثناء الكتابة، تصف، مجتمعةً، حالةً شعورية، وتجربةً فكريّةً تصل حدّ التصوف أو الفلسفة. 

أولى هذه المصادر: العالم الفيزيقي، الموسيقا، النار…  

“صوتك أنغام تسري   

في متاهات شراييني   

أوتدري من يحركني؟  

يشعلني، ثم يطفيني…  

ويمزق لي خيوط الشجن” 

المصدر الثاني: الطبيعة وما تحتويه من مفردات غزت قاموس مدارس الشعر الرومنتيكي… ضفاف، ليل، الريح… 

“على ضفاف ابتساماتك   

تثمل حروف الغزل   

ويورق الشعر في جبهتي   

وبين أناملي… ” 

المصدر الثالث: الرموز الأسطورية: أورفيوس وقيثارته 

“يا العازف على اوتاري   

لحنا يحاكي ألحان أورفيوس   

على القيثار…”   

2. التناص: مع الأسطورة،

 وربطه مباشرةً بالحالة العاطفية للذات الشاعرة، بطريقة تكاد الأسطورة ذاتها أن تكون منبثقةً عن الحال الشاعرة وليس العكس، دون ترفّع (ثقافوي) نخبوي… 

” يا العازف على اوتاري   

لحنا يحاكي ألحان أورفيوس   

على القيثار…”   
  

3. العوالم الميتافيزيقية

المهيمنة على مجمل أجواء القصيدة، موضوعاً وصوراً، ولغةً ضبابيةً، لا تشير مباشرةً، بل تترك أثراً يدلّ، كالأضواء البعيدة في ليلة دامسة تدلّ على النجوم؛ عالم ذهني هلامي، يدفع الذهن لكل التخيلات ان تنفتح في مخيلته بانفتاحاتٍ لا حصر لها ولا حدّ يحدّها. 

نلمس هذه العوالم الميتافيزيقية، أو الصوفية على وجه الخصوص، في المقطع الأخير من القصيدة:  

“أشتاقك…  

اشتياق الليل للسحر.  

واشتياق اليأس للأمل   

وأسافر في الريح      

على بساط الحلم   

لأعود بسمة، تلهو عل شفتيك..  

تداعب حروف البوح   

لنعيد اكتشاف  

الشغف الأول..” 

ثانياً: في الموسيقا، أو الإيقاع 

إذا كانت قصيدة النثر قد استغنت عن الإيقاع الخارجي، فإنّ الشاعرة المتشرّبة بالشعر تعوّض عنه بعناصر إيقاعية أخرى تكتنزها القصيدة، كلاً متكاملاً، من الفكرة والصور وتوتّر اللغة، أو استرخاؤها؛ إنه إيقاع لا يفرض نفسه بوزنٍ وتفعيلات… هو إيقاع نفسيٌّ، رافق الشاعرة أثناء تمثّلها القصيدة، وأثناء كتابتها، تشعّ به عناصر القصيدة، آن القراءة، وينعكس في نفس القارئ وخاطره، بشكلٍ يشعر به في وجدانه، دون أن يلمسه في حواسّه المادية؛ مثلما أنّ لكلّ حالة، أو زمان إيقاعاً مختلفاً في داخلنا، نشعر به ولا نلمسه.  

لنقرأ، أو لنستمع إلى هذه الصورة من جديد 

“صوتك أنغام تسري   

في متاهات شراييني”   

ولنكمل القراءة – السماع إلى الصورة التي تليها: 

“أوتدري من يحركني؟  

يشعلني، ثم يطفيني…  

ويمزق لي خيوط الشجن” 

في هذه الحالة التي تتمثّلها الشاعرة، وتوصلها لنا ارتباط الشرايين بالحركة، ثمّ بالحريق والانطفاء يخلق توتراً، لم تحدّده أوزانٌ ولا تفعيلات، إنما هي اللغة التي تبني صورةً تشعل الحرائق في الشرايين، تهزُّ الأعماق وتحرّكها، وأخيراً تقطع نياط القلب، في لحظة ذروة التجربة الشعورية التي عاشتها الشاعرة أثناء الكتابة، فانتقلت، بإيقاعها المتوتر، إلى القارئ ليعيش، بالقراءة وحدها، حالة الشاعرة الروحية والوجدانية. 

صورةٌ أخرى توضّح الإيقاع الداخليّ للقصيدة، ومدى تأثير الإيقاع الداخليّ للشاعرة الذي، حمّلته القصيدة، فانتقل بفعل القراءة إلى القارئ: 

 “أشتاقك…  

اشتياق الليل للسحر.  

واشتياق اليأس للأمل   

وأسافر في الريح      

على بساط الحلم “  

على النقيض من الصورة الأولى، تأتي المفردات في هذه الصورة هادئةً، مسترخية، تنحى منحى التصوف، بمفرداتٍ أقرب إلى لغة الصوفيين: الليل والسحر، اليأس والأمل، والسفر…السفر، تلك المفردة الأكثر دلالةً على الحالة الصوفية برمّتها، فما التصوّف إلا سفرٌ من عالم الحياة المادية إلى عوالم أخرى بعيدةٍ، عوالم ميتافيزيقية، تليق بشاعرةٍ أضناها الشوق، بعد أن ألهب شرايينها، وبعد رحلة الفراق والوفاء الأسطوريّ الذي يوازي وفاء أورفيوس الذي عاش يعزف، على قيثارته، ذكرى زوجته التي أخذها هيرميز إلى العالم السفلي، يهيّج الكائنات والجماد، ثمّ دفع حياته ثمناً لوفائه.  

ثالثاً: وحدة الكيان للقصيدة

رغم تعدّد مصادر الصورة ومستويات الإيقاع الداخلي للقصيدة، التي تبدّت في لغتها المتنوعة، وصورها المختلفة، وخواطرها المتشظّية، فإنّ هذه الصور، وهذه اللغة، وهذه الخواطر تأتلف جميعها في هارموني واحدة، هي الحالة الوجدانية التي عايشتها الشاعرة أثناء الكتابة، والتي جالت بها في هذه الأنحاء المختلفة، لتجمع الأطراف لا لتفرّق، لتكمل الحالة لا لتشتت، لتشبع الشعور والفكر الحائر في قضيته لا لتعبث. 

كقارئٍ، لا يهمّني أين كانت تهيم أفكار الشاعرة وخواطرها، أو في أيّ معارج كانت تسافر روحها، أثناء كتابة القصيدة. ما يهمّني هو ما فتحته القصيدة في خاطري حين قرأتها، أيّ عوالم انفتحت في داخلي وأنا أغيب، رويداً رويداً، عن عالم الواقع الذي يحيط بي، وأنغمس، درجةّ فدرجة، بين كلماتها، أو، وهذا هو التوصيف الأدقّ: وأنا أصعد مع كلماتها شيئاً فشيئاً عن عالم المادة. 

جاء بناء القصيدة، وترتيب الصور بهذا التتالي ليرفع القارئ، دون إرادته، إلى عوالم رومنسية، أسطورية…غيبية وصوفية. أعادتني، في لحظة من لحظات القراءة، إلى شغف البداية… وذلك الذهول وذلك السؤال الأزلي المعلّق. 

________________________

منذر فالح الغزالي

الهوامش:

*  أحلام ورؤى،  ديوان شعر للشاعرة زينب الحسيني/ لبنان، صدر عن دار المختار- القاهرة 2018  

** د. علوي الهاشمي، فلسفة الإيقاع في الشعر العربي، المؤسسة العربية للدراسات والنشر 2006 .

*** المرجع السابق

**** المرجع السابق

***** موسوعة برنستون للشعر / منقول عن مواقع الشبكة العنكبوتية

Please follow and like us:
Pin Share

About The Author

RSS
Follow by Email
Contact