منتدى ثـورة قلم لبناء إنسان أفضل

منتدى ثورة قلم لا يرأسه سوى الإنسان وثقافته الإنسانية

في مربكات النّسيج الشّعريّ… قراءة في “على كتف النّهار” للشّاعرة السورية سمر الدّيك بقلم الناقدة التونسية الأستاذة زهرة الخصخوصي

1 min read
Spread the love

في مربكات النّسيج الشّعريّ…

قراءة في “على كتف النّهار” للشّاعرة سمر الدّيك

بقلم: الناقدة زهرة خصخوصي

مدخل:

تظلّ كلّ قراءة نقديّة حديثة للأدب المعاصر محكومة بمقولة النّصّ والمرجع والتّلقّي، بثالوث تشكّل العمليّة الإبداعيّة هذا، تراكما مرجعيّا متخيَّلا، وتشكيلا لغويّا متخيَّرا، واستقراء دلاليّا متأوَّلا.

ولعلّ الكتابات الشّعريّة المعاصرة تبدو المجال الإبداعيّ الأرحب لتجلّيات إشكاليّات هذه المقولة، بما يسم القول الشّعريّ من جنوح الشّعراء إلى تجريب مخصوص من أجل رسم ملامح حداثة شعريّة ذاتيّة تسم مدوّنة كلّ شاعر، أو تميّزها عمّا سواها ممّا يعاصرها، تجريبٍ تعانق فيه اللّغة الانزياح، وتلتبس فيه الصّورة بالغموض ، وتتوارى فيه الذّات الشّاعرة خلف حجب الذّات المتلفّظة في إرباك شديد للقارئ المسكون بهاجس الحفر في بنية السّطح الشّعريّ توقا إلى الظّفر بعوالم دلاليّة كَمُوَنة في بنيته العميقة.

لكنّنا في المجموعة الشّعريّة “على كتف النّهار” للشّاعرة السّوريّة سمر الدّيك، نلفي أنفسنا أمام شعر يتوسّل بلغة سلسة يوميّة مباشرة لا تكثيف فيها، ولا تعتيم لفظيَّ لانتساج نصّيّته فنّيّا ودلاليّا، كأنّه يعود بنا إلى خطى التّأسيس الأولى للحداثة الشّعريّة العربيّة، إلى تلك الحدود الأولى التي حدّت بها نازك الملائكة ضوابط لغة القصيدة الحديثة، في محاولة قطع مع تلك اللّغة المجازيّة المبهمة القصيدة الكلاسيكيّة، وتوقا إلى إرساء قول شعريّ جديد يحتفي بيسر الكتابة، وسلاسة التّلقّي.

وقصائد “على كتف النّهار”، تُبين عن رؤية إبداعيّة شعريّة مخصوصة، فعلى سلاسة لغتها ويسر تلقّيها، تنبني على إرباك أُسٍّ في النّسيج الشّعريّ، مأتاه لعبة ضمائر، ولعبة زمن، وتشابك العلامات الدّالّة على انفعال الألم ثيمةً مركزيّة فيها، هي رؤية مخصوصة مدارها ذلك الثّالوث آنف الذّكر، التّراكم المرجعيّ والتّشكيل اللّغويّ والاستقراء الدّلاليّ. وهو ما تستجليه مفاصل هذه الورقة النّقديّة.

1/ لعبة الضمائر:

تُعدّ الضمائر في النّقد الأدبيّ الحديث كائنات لغوية تستمد وجودها من العالم النصي الشعري لتضحي ذواتا لها وجودها المخصوص، ومرجعياتها، ومهماتها المنوطة بها. فهي لم تعد حبيسة وجودها النّحويّ في الجملة، بل عبرت تلك الحدود إلى فضاءات الوجود التّداوليّ في النّصّ الشّعريّ، ذاتا خطابيّة تتشكّل عبر اللّغة داخل الخطاب الشّعريّ، ترسم له خطاطات تلقّ ممكنة . ومن هنا تجيء دراستنا للعبة الضّمائر في قصائد الشّاعرة سمر الدّيك.

فالشّاعرة تعمد في مجموعتها “على كتف النّهار” إلى المراوحة بين ضميري المتكلّم مفردا وجمعا (أنا ــ نحن ) وضمير المخاطب المذكّر المفرد (أنتَ)، وضمير الغائب المذكّر (هو). وهي مراوحة تجتمع فيها الذّات المتلفّظة مفردا بالذّات المخاطَبة المتلفّظ إليها حاضرةٍ بضمير المخاطب طورا وبضمير الغائب طورا آخر، بينما تنكفئ الذّات المتلفّظة على نفسها في قصائد أخرى فتكتفي بحضورها وحيدة تبثّ القارئ شكواها ونجواها.

وهي ترسم للعبة الضّمائر خطاطة مسار جليّة تنطلق من حضور للذّات المتلفّظة وحيدة تبكي الفقد والحنين، في القصيدة الأولى من المجموعة الشّعريّة “ورقة في شجرة العشق” ومنها نقتطف:

أبحث عن ذاتي…

وعن زمني…

في تراتيل العشق

وسحابات المحن

(…………………)

وبقيت في دجى اللّيل وحيدا

أنتظر السّحر،

أضمّ طيفك

وأنسى القمر،

وأحلم باللّقاء..”

لتنطلق، في ما يلي هذه القصيدة المستهلّ من قصائد المجموعة الشّعريّة، رحلة التّضامّ بين طرفي التّلفّظ ــ أي الخطاب ــ ذاتا متلفّظة شعرا، وذاتا متلفّظا عنها متلفّظا إليها بالشّعر، في آن، هي الوطن الحبيب، والأيّام، والعمر، والذّكريات، والآتي، رحلةٌ يغرق القارئ فيها مع الذّات المتلفّظة في محارق النّجوى والتّوق إلى لقاء عسير المنال حينا، ثمّ يرفرف في سماء الحلم بشهد الوصال حينا آخر، والشّاعرة تضرم بالحرف لهيب الألم، وتملأ بالحرف ذاته كؤوس الأمل، في ملحمة شعريّة سلسة اللّغة يسيرة العبارة بيّنة المعاني.

وكأنّ الشّاعرة على يقين من حدّة الانفعالات التّخييليّة التي تقذف قصائدها بالقارئ إليها، فنجدها في منتصف الدّيوان، في الصّفحة الثّانية والسّتّين (62)، في قصيدة “مناجاة” تعمد إلى كسر وتيرة خطاب الألم، تخفيفا من حدّته، فتتغنّى فيها بالوجد بأسلوب حواريّ تتخاطب فيه الذّات المتلفّظة والذّات المتلفّظ إليها،  الحاضرَيْن ضميرين غائبين محكيّا عنهما، منقولا حوارهما، تغنّيا يصوّر لهيب التّوق تصويرا رهيفا يريح المتلقّي قليلا من محارق العشق الملتهبة في المجموعة الشّعريّة هذه، خالقة بذلك إيقاعا مخصوصا للمعنى الشّعريّ، إيقاعا للألم، متموّجا، يحتدّ وينخفض، ليحتدّ من جديد، متواشجا مع تموّجات النّبض العاشق المكلوم فقدا.

يقول بعض القصيدة:

مناجاة

قال لها:

علام تشكرينني وأنت لك السُّكنى…؟

علام تهدهدينني وأنت لك القُبلى…؟

(…………….)

قالت:

تعال نختصر الأزمنة والمسافات..

لنحقّق نبوءة القدر بلقائنا المشرئبّ

إلى الحياة ولننسى الأيّام ولياليها

وليكن مقياسُ الزّمن

نبضات القلب…

تعال لنبتر (الكاف) التي بيننا..

أنا هنا.. وأنت هناك..

أم اكتفيت من وجع المسافات؟

تعال نرسم حلمنا بلقائنا..

نلتقي على حوافّ القمر

ونرتضي بقدرنا المكتوب

أجمل قدر”

ثمّ تنكفئ القصائد على ذاتها المتلفّظة العاشقة ومواجعها، وهي تنحدر نحو نهايات البوح الشّعريّ، فتحضر الذّات المتلفَّظ إليها منادى مشكوّا منه وإليه. مثلا في قصيدة “لهيب يطاردني” (ص109)، ترسم الشّاعرة بالعتاب والنّهي، توقا حارقا إلى الالتقاء المنشود، التقاءً تتضامّ فيه الضّمائر ذواتا لغويّة، وتتناءى فيه الذّوات المادّيّة، صورةً من حكاية العشق التي تلوّن عتمتها بريشة الشّعر في هذه المجموعة الشّعريّة، فتقول :

“من خلف التّلال

أجرجر أيّامي،

ألوك حكاياتي

أكتب بمداد الشّوق بعضا من رؤى

أتلمّس دفء ذكرياتي

أتوه في مسارات الهوى، والجوى، وتغويني

مسافات تفصلنا

تمرّد يقتلنا

حروفي ترسم معاناتي وأنّاتي

(………………)

كفاك رسما، كفاك وشما في شراييني !

يا عمرُ كم خذلتني، ومُرّ الأيّام أذقتني !

كفاك ما ضاع من عمري، وأيّامي !

أناجيك أناديك، أن ترحم غربتي

ترسم لي درب أوبتي”   

ولعلّ اشتداد حدّة خطاب الألم في هذه القصيدة، وهي القصيدة قبل الأخيرة في المجموعة، يعلّل انكفاء الذّات المتلفّظة على نفسها في القصيدة الأخيرة “إليك يا وطني”، فتجيئنا  ذاتا متلفّظة، تخاطب الوطن الحبيب، وهو الغائب، ذاتا متلفّظا عنها، وطنا منادى لكنّه لا يُخاطَب، كأنّ مخاطبة الوطن أضحت في زمن التّرويع والتّهجير جرما سياسيّا، تقول الشّاعرة:

أعاني ما أعانيه.. فمن قفر إلى تيه

ومن حزن يفارقني.. إلى وجد يدنيه

ومن عمر مضى هربا.. إلى حلم أناجيه

(,,,,,,……………………………………..)

فيا وطني ويا حلمي.. أداريه، أصافيه

لعلّي فيه أحتفل.. بروض من أمانيه

(…………………………………………..)

تتشكّل في ذي القصيدة، رسالة عاشقة إلى حبيبها الوطن، تتشكّل كأنّها رسالة سرّيّة مهرّبة، ملغزة، معتمة، تخشى أن تُفتضح، فيها تتعانق الذّات المتلفّظة شعرا وذات الوطن المتلفّظ عنه، ضميرين يجمعهما التّقابل أسلوبا بلاغيّا، والتّباعد وجودا مكانيّا، لترستم للقارئ العمقَ السّحيق لوجع الاغتراب والحنين ، والصّورة البليغة لألم انفصال في محراب حبّ أسّه الرّكيز هو التّوق إلى الوصال.

إنّها لعبة الضّمائر في هذه المجموعة الشّعريّة، لعبة العزف على مواجع الذّات المكلومة في وطنها، المثخنة بجراح النّوى والفقد والحنين في غربتها، ضمائر تتلوّن وجوه حضورها لتلوّنَ المجموعة الشّعريّة بقزحيّة ألوان الإنسان المعاصر المجتثّ من هويّته وطنا وروحا وأحلام وجود.  وهي تتجاوز حدود النّصّ الشّعريّ الواحد إلى مجموع القصائد التي ضمّها الكتاب، فكأنّ الشّاعرة تخصّ كلّ قصيدة بذات متلفّظة لا تكتمل إلّا بحضور الذّات المتلفّظ إليها، أو المتلفّظ عنها، معها تحيا، وبها تتشكّل، لتضحي القصائد أوطانا يرحب لاجتماع الذّوات، وتضامّها، وتحاورها، وتشارُكها الحبّ والوجع والحلم، فلا تستقلّ الذّات بعوالمها المحدودة، ولا تنغلق دون عوالم الذّوات الأخرى، بينما تستقلّ الأوطان العربيّة بحدودها المعلومة عن بعضها، ولا تني تنغلق على همومها، وما تنفكّ توصد أبوابها في وجوه بنيها وقد لفظتهم كرها أرحامها الدّامية.                                                                                                                                                                                                                             

لعلّ لعبة الضّمائر التي ترسم الشّاعرة خطاطتها هذه، في مجموعتها الشّعريّة، كانت المحرّك الخفيّ لذلك الخطاب الافتتاحيّ الذي استهلّت به متن الكتاب، وهي تسمه بعبارة “إضاءتي” عنوانا، ومتنه التّالي:

” إضاءتي”(ص٧)

كلُّ ذلك الصخبِ، ولفيفُ المواجعِ،

وآهاتُ رحيلي وخطواتي اللاهثةِ خلف

 رحيقك، ودوائرُ وحدتي، وخوفي ألّا

أرى ياسمينَ الشام يشدو في منعطفات

 حيّنا، تركته للقلم ليحمله فوق ظهر

 القوافي، لتذرَّ بمواجعي لأقاصي انعدام

الغياب، هناك حيث قصيدتي تنير فنارَ

                  دربي؛

 لأتنفس رحيقكم، وأعلق نبضكم فوق

              رابيةِ حلمٍ،

فهنا بعضُ أنيني ينتظرُ بلسمَ

          حضوركم….

                                                   سمر

1/  لعبة الازمنة:

تتعدّد في قصائد “على كتف النّهار” وجوه استدعاء الزّمن وتوظيفه من طرف الشّاعرة سمر الدّيك. فهو زمن تحمله العتبات، وهي أزمنة تنتثر في متون القصائد. وهو استدعاء وظيفيّن لا ينبجس من فراغ مقصديّ، ولا لحلية نصّيّة جماليّة وإن كان يسهم في تشكيلها.

ـــ عتبة العنوان ومعجم الزّمن:  تتنوّع عتبات العنوان في هذه المجموعة الشّعريّة، لا تنوّعا تركيبيّا فقط، بل كذلك تنوّعَ أزمنة تحيل عليها، فنجد حضورا بارزا للزّمن المادّي، بتفرّعه إلى  زمن بارق خاطف، وزمن قصير محدود، وزمن ممتد. وهي أزمنة تحملنا فيها العناوين التّالية : على كتف النّهار (عنوان المجموعة الشّعريّة)، خريف العمر (ص94)، عمر ينوء (ص96)، دليل الأيّام (ص 14)، و ليل طويل (ص 40).

ويرافقه في هذا الحضور البارز الزمنُ النفسي، زمن الحلم، وزمن الخنوع، وزمن الوجع، وزمن الانتظار. وهو زمن تحملنا إليه العناوين التّالية:  لقاء مؤجّل (ص21)، غربة الإنسان (ص34)، كتابي الآتي (ص61)، عجلة الحياة (ص67)، زمن موجع (ص69)، ومضة أمل (ص108). ويعاضد هذه العناوين الدّالّة زمنيّا،  تكرار عبارة “قدر” الدّالّة على زمن نفسيّ يتلوّن بالتّسليم  والخنوع تارة،  وعلى الفرح والسّرور طورا آخر، إذ نجدها تتكرّر أربع مرّات تتشاطرها الدّلالتان الآنفتان كما يلي: للقدر كلمة أخرى (ص12)، قدر محتوم (ص86)، أجمل أقداري (ص77)، أهواك يا قدري (ص83).  وهذا الزّمن النّفسيّ المصطبغ بالوجع والمكابد يكاد يكون الزّمن المنتثر في كلّ زوايا المجموعة الشّعريّة بعلامات شتّى دالّة عليه، ليختزل رؤية الشّاعرة للزمن، زمن قدر، زمن كينونة الحِب في وجود الذّوات المتلفّظة في القصيدة، ذاتا متكلّمة وذاتا مخاطبة وذاتا غائبة محكيّا ملفوظها، منقولا في طيّات القصيد الحكاية المتعدّد.

ــ أفعال في زمن المضارع: تجعل هذه الأفعال القول الشّعريّ انفعاليّا في عدد من القصائد هي غلالة الروح، أقول أنا، لهيب يطاردني، إليك يا وطني، أتسألني، أمان حمقاء، عمر ينوء، خريف العمر، قدر محتوم، جدار الصمت، أهواك يا قدري، أحتاجك أكثر، عجلة الحياة، كتابي الآتي، بلا إنذار. وهي قصائد يتشاطرها تيمةً، الألم واللّذّة، تحتفي بهما الذّات المتلفّظة فيها شكوى وتغنّيا، كوجهين لعملة واحدة هي الوجود الإنسانيّ في هذا الزّمن الفواجع.

أفعال في زمن الماضي: تضطلع بوظيفة بناء المسار السّرديّ للحكاية في القصيدة. وتتعدّد مواضع توظيفها هذا فنجدها تقدّم الحكاية وتبني القصيدة في القصائد التّالية،  أحلام مبعثرة ورؤى مبعثرة، وقذارة حرب، لا تلاقي، عصيان، جحود، نار الجوى، وسحابة عشق.

وفي لعبة الزّمن هذه، ترتسم للمتلقّي قارئا وسامعا، دائرة زمن وجود يحكمها قانون الاستمرار والديمومة، إذ تكاد المجموعة الشعرية لا تخلو من الناسخ الفعلي الدال على الديمومة ” مازال”، لتصوّر لنا الشّاعرة زمنا نفسيّا لم ينته، بعْدُ، سياق تشكله ليتحول إلى زمن آخر مختلف، هو زمن الفزع والحنق، والفقد، والشّوق، والتّوق، ومرارة العجز عن مدّ خطى الإياب نحو رحم الوطن الذي لفظ بنيه كَرها.

ولعلّ الشّاعرة، في زمن الحداثة الشّعريّة، أو حداثة ما بعد الحداثة، وهي مسكونة بهاجس التّلقّي الذي به أساسا تتحقّق كينونة النّصّ الإبداعيّ، تعمد إلى فكّ “شيفرة لعبة الزّمن” في قصائدها هذه، فنلفيها تقول في قصيدة “ورقة في شجرة العشق (ص8)

“أبحث عن ذاتي…

وعن زمني…

في تراتيل العشق

وسحابات من المحن

أهدهد الأحلام،

أغلّف الأيّام

بألوان طيف

وقليل من شجنٍ

مُرُّ الشّدائد أرّقتني،

علّمتني أنّك الأقربُ يا وطني

لم تُبقِ لي سوى ورقة

أخطّ عليها بعض الحكايات

وبعضا من جروح ممّا أشاء”

هو قول شعريّ يلتقي فيه البحث عن الذّات بالبحث عن زمن تلك الذّات، ذات منشودة في صورة كان لها وجودها المكتمل في رحاب الوطن، وزمنا متخيّلا، كان موجودا، زمن الفرح واليقين بدفء الحياة، ذرته مرّ الشّدائد ليقرّ مكانه زمن الحنين يرتسم على الورق حكايات ومتاهات ألم.

         إنّ تأسّس جماليّة الخطاب الشّعريّ على المخاتلة المبنيّة على تقابل بيّن بين سلاسة اللّغة معجما وتراكيب، وإرباكات لعبتيْ الضّمائر والأزمنة، يضع المتلقّي أمام إشكالات شتّى لعلّ أبرزها:

هل نحن أمام قول شعريّ عفويّ انفعاليّ، ينسج بناءه تراكمُ لغويّ مأتاه المرجعيّة الثّقافيّة للشّاعرة المتشبّعة بالضّاد نحوا وصرفا ومعاجم وسردا وشعرا؟

هل الانفعالات في هذه القصائد محدودة بالذّات المتلفّظة، ذاتا ورقيّة ترسم لها الشّاعرة خطاطات بوحها، أم هي ظلال انفعالات الذّات الشّاعرة المثقلة بهموم السّياقات الحافّة بتشكّل نصوصها الشّعريّة نفسيّا واجتماعيّا وسياسيّا؟ أم هي صور لانفعالات الإنسان العربيّ في كينونته الجمع المثخنة بجور السّاسة وفقدان الوطن ومعاقرة الحنين؟

أترى هذه المجموعة الشّعريّة قول “في العشق وعن العشق”*، أم هي قول في تباريح الوجع بمعجم العشق، معجما مضمّخا بألوان الألم والمكابدة والوجع؟

ألسنا في مدار اللّغة باعتبارها “مادّة للأدب”**، أم أنّنا أمام مادّة مختلفة عنها في هذه المجموعة الشّعريّة، هي مادّة التّجربة الإنسانيّة في انفعالاتها التي يهيمن عليها الألم؟

أيّهما يكتب الآخر: أهو الشّعر يكتب الواقع، أم الواقع يكتب الواقع؟

ألم تكن الغاية الأولى للحداثة الشّعريّة تقريب المعنى من القارئ وتيسير تلقّي القصيدة؟ فلمَ سِمة مربكات التّلقّيّ  في النّسيج الشّعريّ تظلّ ملازمة لكلّ الشّعر الحديث، وكأنّ “أعذب الشّعر أكثره إرباكا”؟

هي إشكاليّات، وأخرى شتّى، يواجهها القارئ وهو يلج العالم النّصّيّ لهذه المجموعة الشّعريّة، ويصطدم بإرباكات نسيجها الشّعريّ، فتتعدّد بذلك زوايا البحث فيها محاورة، واستقراء، ومساءلة، وتأوّلا…

خاتمة:

هكذا تعرض علينا قصائد المجموعة الشّعريّة “على كتف النّهار” للشّاعرة السّوريّة سمر الدّيك، نفسَها، قولا شعريّا يعلّم المتلقّي، ببساطة لغته وإرباكات لعبتَيْ الضّمائر والأزمة، فنّ السّؤال ومحاورة النّصّ من أجل استثمار العلامات النّصّيّة للظّفر بالعوالم الدّلاليّة الممكنة، وتقدّم لنا وجها من وجوه قصيدة النّثر المعاصرة التي تظلّ، رغم مرور نصف قرن على انبجاسها، تبحث لها عن مشروعيّة وجود إبداعيّ متين إلى جانب القصيدة التّقليديّة الأمّ.

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

*يمنى العيد، في معرفة النّصّ، بيروت ـ الدّار البيضاء، دار الآفاق الجديدة ـ دار الثّقافة، ط2، 1984، ص 69.

**منذر فالح الغزالي، الرّبيع يأتي متأخّرا، مصر، دار المختار للنّشر والتّوزيع، ط1، 2019، ص 02.